محمد متولي الشعراوي
1916
تفسير الشعراوى
يأتيكم ، حتى يأتيكم بمعجزة محسة ، هذه المعجزة المحسّة هي أن يقدم الرسول قربانا فتنزل نار من السماء تأكله . هذا كان صحيحا ، وكلنا نسمع قصة قابيل وهابيل : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) ( سورة المائدة ) ونريد أن نقبل على القرآن ونتدبر : لماذا جاء هذا اللفظ : « فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ » ؟ إن القبول من اللّه ، وهو مسألة سرية عنده ، فكيف نعرف نحن أن اللّه تقبل أو لم يتقبل ؟ لا بد أنه اللّه قد جعل للقبول علامة حسية . ونحن نعرف أن الإنسان قد يعمل عملا فيقبله اللّه ، ونجد إنسانا آخر قد يعمل عملا ولا يقبله اللّه والعياذ باللّه ، فمن الذي أعلمنا أن اللّه قد قبل عمل إنسان وقربانه ، ولم يقبل عمل الآخر وقربانه ؟ . وبما أن القبول سر من أسرار اللّه إذن فلن نعرف علامة القبول إلا إذا كانت شيئا محسا ، بدليل قوله : « فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ » . وقال الذي لم يتقبل اللّه قربانه : « لأقتلنك » كأن الذي قبل اللّه قربانه قد عرف ، والذي لم يتقبل اللّه قربانه قد عرف أيضا ، إذن فلا بد أن هناك أمرا حسيا قد حدث . وقلنا : إن اللّه كان يخاطب خلقه على قدر رشد عقولهم حسا ومعنى ؛ ولذلك كانت معجزاته سبحانه وتعالى للأنبياء السابقين لرسول اللّه هي من الأمور المحسة . فالمعجزة التي آتاها اللّه لإبراهيم كانت نارا لا تحرق ، وعصا سيدنا موسى تنقلب حية ، وسيدنا عيسى عليه السّلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن اللّه . والمعجزة الحسية لها ميزة أنها تقنع الحواس ، ولكنها تنتهى بعد أن تقع لمرة واحدة . لكن المعجزة العقلية التي تناسب رشد الإنسانية ، هي المعجزة الباقية ،